ملا محمد مهدي النراقي

249

جامع السعادات

الحق فيه . والغاية القصوى في عمل القلب عمارته بالأخلاق المحمودة ، والعقائد الحقة المشروعة . ولا يتصف بها ما لم ينظف عن نقائضها ، من الأخلاق المذمومة ، والعقائد الفاسدة . فتطهيرها عنها أحد الشطرين ، والشطر الآخر تحليته بالفضائل والعقائد الحقة . وأما عمل الجوارح ، فالمقصود منه عمارتها بالطاعات . ولا يمكن ذلك ما لم يطهر عن المعاصي والمناهي . فهذا التطهير نصف عملها ، ونصفه الآخر عمارتها بالطاعات . وقس على ذلك الحال في المرتبة الأولى . وإلى ذلك الإشارة بقول النبي ( ص ) : ( الطهور نصف الإيمان ) . فإن المراد : أن تطهير الظاهر ، والجوارح ، والقلب ، والسر ، من النجاسات والمعاصي ورذائل الأخلاق وما سوى الله نصف الإيمان ، ونصفه الآخر عمارتها بالنظافة والطاعات ومعالي الأخلاق ، والاستغراق في شهود جمال الحق وجلاله . ولا تظنن أن مراده ( ص ) إن مجرد تطهير الظاهر عن النجاسات بإضافة الماء نصف الإيمان ، مع تلوث الجوارح بأخباث المعاصي ، وتنجس القلب بأقذار مساوي الأخلاق ، وتشوش السر وتكدره بما سوى الله . فالمراد التطهير في المراتب الأربع ، التي هي من مقامات الدين ، وهي مرتبة يتوقف بعضها على بعض ، ولا يمكن أن ينال العبد ما هو الفوق ، ما لم يتجاوز ما دونه ، فلا يصل إلى طهارة السر مما سوى الله ، وعمارته بمعرفة الله ، وانكشاف جلاله وعظمته ، ما لم يفرغ عن طهارة القلب عن الأخلاق المذمومة ، وتحليته بالملكات المحمودة . ولا يصل إلى ذلك ما لم يفرغ عن طهارة الجوارح من المعاصي وعمارتها بالطاعات . ولا يصل إلى ذلك ما لم يفرغ عن إزالة الخبث والحدث عن الظاهر ، وعمارته بالنظافة والنزاهة . فصل حقيقة الطهارة طهارة الظاهر ، إما عن الخبث ، أو عن الحدث ، أو عن فضلات البدن ، وما يتعلق بها من الأحكام الظاهرة الواجبة والمحرمة والمندوبة والمكروهة ، مستقصاة في كتب الفقه . وأما الآداب الباطنة لطهارة الخبث وإزالته عند التخلي لقضاء الحاجة ،